الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
172
نفحات القرآن
وتحتفظ دائماً بحداثتها ، فالجنّة محيط منزه من كل كدر ، فلا وجود فيها حتى لميكروب واحد يفسد أطعمة أهلها وأشربتهم . والجدير بالذكر أنّ ماء هذه الدنيا يتغير لونه وطعمه بمرور الزمان ، أمّا مياه أنهار الجنّة فهي تبقى على حالها ووضعها الأول صافية ، زلال مطهرة ، وكذلك الحال بالنسبة للبن ، ففي الدنيا يفسد سريعاً بعد برهة من الزمن فيتبدل طعمه إلى طعم حامض وهذه مقدمة لفساده وتلفه ، أمّا لبن الآخرة فهو لبن سائغ شرابه لذيذ لا يتغير طعمه ولا يعتريه عارض كالذي يصيب الألبان في الدنيا . الخمر والشراب ، شراب غير مستساغ ولا لذّة فيه ويوصف بمرارة المذاق ورداءة الطعم فهو مذهب للعقل ، ومفسد للروح . أمّا خمر أهل الجنّة فهو شراب لذيذ منعش يبعث في النفس النشاط والحيوية الرحمانية لا الشيطانية . وعسل الدنيا تشوبه في الغالب الكثير من الكدورات والشوائب ، أمّا عسل الآخرة فهو عسل مصفى خالص بمعنى الكلمة ، ومن الجدير بالذكر : أنّ القرآن الكريم اعتبر العسل جزءً من المشروبات وحتى في سورة النحل والتي تتحدث عن ( النحل ) ذكره كشراب : « يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ الوَانُهُ » . ( النحل / 69 ) ولعل السبب في ذلك هو أنّ العسل إذا شرب كمشروب ( شربت العسل ) فيكون أكثر لذّة ومنفعة وحيوية . ولقد أشارت آيات سورة الدهر والتي تعرضت لأنواع النعم التي وعدها اللَّه سبحانه للأبرار من عباده إلى مجموعة أخرى من الأشربة قال تعالى : « انَّ الأَبرَارَ يَشرَبُونَ مِن كَأسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشرَبُ بِهَا عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً » . ( الدهر / 5 - 6 ) وقال تعالى في نفس السورة : « وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا * عَيناً فِيهَا تُسَمَّى سَلسَبِيلًا » . ( الدهر / 17 - 18 ) وقال تعالى في السورة ذاتها : « وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً » . ( الدهر / 21 )